محمد بن جرير الطبري
523
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
ثم إنه لم يكن في الناس أمه أصغر عندنا امرا منكم ، كنتم أهل قشف ومعيشة سيئه ، لا نراكم شيئا ولا نعدكم ، وكنتم إذا قحطت أرضكم ، وأصابتكم السنة استغثتم بناحيه أرضنا فنأمر لكم بالشيء من التمر والشعير ثم نردكم ، وقد علمت أنه لم يحملكم على ما صنعتم الا ما أصابكم من الجهد في بلادكم ، فانا آمر لأميركم بكسوة وبغل وألف درهم ، وآمر لكل رجل منكم بوقر تمر وبثوبين ، وتنصرفون عنا ، فانى لست اشتهى ان اقتلكم ولا آسركم فتكلم المغيرة بن شعبه ، فحمد الله واثنى عليه ، وقال : ان الله خالق كل شيء ورازقه ، فمن صنع شيئا فإنما هو الذي يصنعه هو له واما الذي ذكرت به نفسك وأهل بلادك ، من الظهور على الأعداء والتمكن في البلاد وعظم السلطان في الدنيا ، فنحن نعرفه ، ولسنا ننكره ، فالله صنعه بكم ، ووضعه فيكم ، وهو له دونكم ، واما الذي ذكرت فينا من سوء الحال ، وضيق المعيشة واختلاف القلوب ، فنحن نعرفه ، ولسنا ننكره ، والله ابتلانا بذلك ، وصيرنا اليه ، والدنيا دول ، ولم يزل أهل شدائدها يتوقعون الرخاء حتى يصيروا اليه ، ولم يزل أهل رخائها يتوقعون الشدائد حتى تنزل بهم ، ويصيروا إليها ، ولو كنتم فيما آتاكم الله ذوى شكر ، كان شكركم يقصر عما أوتيتم ، وأسلمكم ضعف الشكر إلى تغير الحال ، ولو كنا فيما ابتلينا به أهل كفر ، كان عظيم ما تتابع علينا مستجلبا من الله رحمه يرفه بها عنا ، ولكن الشان غير ما تذهبون اليه ، أو كنتم تعرفوننا به ، ان الله تبارك وتعالى بعث فينا رسولا ثم ذكر مثل الكلام الأول ، حتى انتهى إلى قوله : وان احتجت إلينا ان نمنعك فكن لنا عبدا تؤدى الجزية عن يد وأنت صاغر ، والا فالسيف ان أبيت ! فنخر نخرة ، واستشاط غضبا ، ثم حلف بالشمس لا يرتفع لكم الصبح غدا حتى اقتلكم أجمعين . فانصرف المغيرة ، وخلص رستم تألفا باهل فارس ، وقال : اين هؤلاء منكم ؟ ما بعد هذا ! ا لم يأتكم الأولان فحسراكم واستحرجاكم ، ثم جاءكم